
تتابع منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة بقلق بالغ إعلان وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك عن ما يسمى بـ”خطة تعزيز الحدود الشرقية”، والتي تمثل حلقة جديدة في مشروع استيطاني متكامل يستهدف إحكام السيطرة الإسرائيلية على منطقة الأغوار والحدود الشرقية للضفة الغربية، عبر توسيع الاستيطان وخلق وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلا.
وتتضمن الخطة، وفق ما أعلنته ستروك، إقامة عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة، وإنشاء معاهد دينية (يشيفوت)، إلى جانب تأسيس مدينة جديدة مخصصة للحريديم بالقرب من مدينة أريحا تحت اسم مدينة النخيل، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية وشبكات الطرق والخدمات التي تربط التجمعات الاستيطانية على امتداد الأغوار.
ورغم تقديم هذه الخطة في الخطاب الرسمي الإسرائيلي باعتبارها مشروعا لتعزيز الأمن وحماية الحدود الشرقية، فإن مضامينها تتجاوز الاعتبارات الأمنية لتؤكد استمرار سياسة توظيف الاستيطان كأداة لفرض السيطرة الدائمة على الأراضي الفلسطينية، خاصة في منطقة الأغوار التي تشكل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية، وتمثل الامتداد الزراعي والاستراتيجي الأهم للدولة الفلسطينية المقبلة.
وقال المحامي حسن مليحات – المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية بأنه لا يمكن النظر إلى إقامة مدينة استيطانية جديدة في الأغوار على انه مجرد توسع عمراني، بل هي خطوة تستهدف إحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق، عبر استقطاب آلاف المستوطنين وتعزيز الكتلة السكانية اليهودية في المنطقة، بما يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر تعقيدا، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية تقوم على حل الدولتين.
كما أن إنشاء عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة سيؤدي إلى توسيع نطاق السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وزيادة القيود المفروضة على حركة المواطنين الفلسطينيين، وحرمان التجمعات البدوية والزراعية من الوصول إلى المراعي والأراضي الزراعية ومصادر المياه، وهو ما يفاقم معاناة السكان الذين يواجهون أصلا سياسات الهدم والتهجير ومنع البناء.
وتأتي هذه الخطة في سياق مشروع سياسي أوسع يقوده وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يتولى أيضا صلاحيات واسعة في إدارة شؤون الضفة الغربية المدنية،فقد عمل سموتريتش خلال السنوات الأخيرة على تسريع إجراءات شرعنة البؤر الاستيطانية، وتوسيع المستوطنات، وتخصيص ميزانيات ضخمة للبنية التحتية الاستيطانية، إلى جانب نقل مزيد من الصلاحيات المتعلقة بإدارة الأراضي من المؤسسة العسكرية إلى هيئات مدنية إسرائيلية، بما يعزز الضم الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل إعلان أوريت ستروك عن مشروع سموتريتش، إذ يبدو أن هناك توزيعا للأدوار داخل الحكومة الإسرائيلية؛ ففي حين يعمل سموتريتش على توفير الأدوات القانونية والإدارية والمالية لتوسيع الاستيطان، تتولى ستروك الدفع بالمشروعات الاستيطانية الجديدة والترويج لها سياسيا باعتبارها جزءا من رؤية استراتيجية طويلة المدى.
وأضاف مليحات بأن أخطر ما ورد في هذه الخطة أنها تستهدف الأغوار، التي تمثل البوابة الشرقية لفلسطين، والسيطرة عليها تعني عمليا عزل الأراضي الفلسطينية عن محيطها العربي، وتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، وإضعاف فرص التنمية الاقتصادية الفلسطينية، فضلا عن تهديد الوجود التاريخي للتجمعات البدوية التي تعتمد في حياتها على حرية الحركة والوصول إلى المراعي.
وحذرت منظمة البيدر من أن استمرار تنفيذ مثل هذه السياسات سيؤدي إلى تصاعد الانتهاكات بحق السكان الفلسطينيين، خاصة التجمعات البدوية والرعوية التي تواجه ضغوطا متزايدة للتهجير القسري، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر نقل سكان الدولة القائمة بالاحتلال إلى الأراضي المحتلة أو تهجير السكان المحميين منها.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى تحمل مسؤولياتها القانونية، واتخاذ خطوات عملية لوقف التوسع الاستيطاني، وحماية التجمعات الفلسطينية المهددة، ومحاسبة المسؤولين عن السياسات التي تقوض فرص السلام وتكرس واقع الضم والاستيطان.
إن ما يجري اليوم في الأغوار لا يمثل مشروعا عمرانيا أو إجراءا أمنيا عابرا، بل هو جزء من استراتيجية متكاملة لإعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للضفة الغربية، وكل تأخير في مواجهة هذه السياسات يمنحها مزيدا من الوقت للتحول إلى وقائع يصعب تغييرها، وهو ما يجعل التحرك الدولي العاجل ضرورة لحماية حقوق الفلسطينيين والحفاظ على فرص تحقيق سلام عادل ومستدام.