Skip to main content

منظمة البيدر الحقوقية – Al-Bidar Human Rights Organization

آخر الأخبار

البيدر: 1666 انتهاكاً للاحتلال ومستوطنيه بحق التجمعات البدوية في الضفة خلال يوليو

كشفت المعطيات الواردة في التقرير الشهري الصادر عن منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة، أن شهر تموز 2026 شهد تصعيدا غير مسبوق في حجم الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية بحق القرى والبلدات التجمعات البدوية الفلسطينية، في سياق يتجاوز كونه سلسلة من الحوادث المنفصلة ليعكس سياسة متكاملة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، فقد وثقت المنظمة 1666 انتهاكا خلال شهر واحد، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الإجراءات العسكرية والاستيطانية التي تستهدف التجمعات البدوية المنتشرة في الأغوار الفلسطينية، والمرتفعات الشرقية، ومحيط القدس، ووسط وجنوب الضفة الغربية.

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن المشهد العام في الضفة الغربية، الذي شهد خلال الفترة ذاتها تصاعدا ملحوظا في اقتحامات المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وارتفاعا في وتيرة اعتداءات المستوطنين المسلحة، وما رافقها من سقوط شهداء وجرحى فلسطينيين خلال الهجمات التي استهدفت بلدات وقرى فلسطينية في محافظات نابلس ورام الله والخليل والقدس وغيرها، ويعكس هذا التصعيد انتقال الاعتداءات من استهداف الممتلكات والأراضي إلى استهداف مباشر لحياة المدنيين، بما يعزز مناخ الخوف وعدم الاستقرار داخل التجمعات الفلسطينية، ويضاعف الضغوط الرامية إلى دفع السكان نحو النزوح القسري.

وتشير طبيعة الانتهاكات إلى وجود تكامل واضح بين الأدوات العسكرية والأمنية والاستيطانية والاقتصادية، بما يجعلها جزءا من سياسة ممنهجة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ج)، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المساحات التي تشكل الامتداد الجغرافي للمشاريع الاستيطانية المستقبلية.

أولا: اعتداءات المستوطنين

سجل التقرير 472 اعتداء نفذه المستوطنون، أي ما يقارب 28% من إجمالي الانتهاكات الموثقة خلال شهر تموز، وهو ما يؤكد أن عنف المستوطنين بات يشكل أحد أبرز أدوات الضغط على الفلسطينيين، ولا سيما سكان التجمعات البدوية والقرى الواقعة بمحاذاة المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وتركزت هذه الاعتداءات بصورة رئيسية في محافظات نابلس، ورام الله والبيرة، والقدس، والخليل، وهي مناطق تشهد في الوقت ذاته توسعا استيطانيا متسارعا، الأمر الذي يكشف وجود ارتباط واضح بين تصاعد عنف المستوطنين وخطط السيطرة على الأراضي الفلسطينية.

كما شهد الشهر ذاته اعتداءات واسعة على عدد من القرى والبلدات الفلسطينية، أسفرت عن استشهاد مواطنين فلسطينيين وإصابة آخرين برصاص المستوطنين أو خلال تدخل قوات الاحتلال التي وفرت الحماية للمهاجمين أو شاركت في إطلاق النار أثناء التصدي للأهالي، ويعكس هذا الواقع تصاعدا خطيرا في مستوى العنف، حيث لم تعد الاعتداءات تقتصر على إحراق الممتلكات أو الاعتداء على المزارعين والرعاة، بل امتدت إلى استخدام القوة المميتة ضد المدنيين.

ويؤشر ذلك إلى استمرار نمط تقاسم الأدوار بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، حيث تنفذ الاعتداءات في كثير من الأحيان تحت حماية القوات الإسرائيلية أو في ظل غياب أي إجراءات لمنعها أو محاسبة مرتكبيها، الأمر الذي يوفر بيئة تسمح بتكرار هذه الاعتداءات بصورة شبه يومية.
ثانيا: تصاعد استهداف المدنيين واستخدام القوة المميتة.

وثق التقرير 152 حادثة إطلاق نار استهدفت الفلسطينيين والتجمعات البدوية خلال شهر واحد، وهو مؤشر يعكس الاستخدام الواسع للقوة المسلحة في إدارة العلاقة مع السكان الفلسطينيين.

ولا يقتصر تأثير هذه الحوادث على ما تسببه من شهداء وجرحى، بل يمتد إلى فرض واقع أمني دائم يجعل الحركة الطبيعية للرعاة والمزارعين شبه مستحيلة، ويقيد الوصول إلى المراعي والأراضي الزراعية ومصادر المياه، ويؤثر بصورة مباشرة على دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل التجمعات البدوية.

وتكشف الوقائع الميدانية أن إطلاق النار بات يستخدم كوسيلة لفرض السيطرة على الحيز الجغرافي، وإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم تدريجيا، أكثر من كونه استجابة لحوادث أمنية استثنائية.

ولم تقتصر الانتهاكات التي شهدها شهر تموز 2026 على الاعتداءات بحق الأراضي والممتلكات والتجمعات البدوية، بل اتخذت منحى أكثر خطورة تمثل في تصاعد استهداف المدنيين الفلسطينيين، سواء خلال اقتحامات قوات الاحتلال للمدن والقرى الفلسطينية أو أثناء الهجمات التي نفذها المستوطنون على التجمعات السكانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عدد الشهداء في الضفة الغربية والقدس، في مؤشر يعكس تصعيدا واضحا في استخدام القوة المميتة.

أشارت توثيقات البيدر إلى استشهاد 16 مواطنا فلسطينيا في الضفة الغربية والقدس، من بينهم امرأة وثلاثة أطفال، أحدهم رضيع يبلغ من العمر أربعة أشهر، وهو ما يسلط الضوء على اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الفئات الأكثر ضعفا بين السكان المدنيين.

ومن أبرز هذه الوقائع استشهاد الرضيع أحمد معروف زيد (4 أشهر)، بعد أن منعت قوات الاحتلال عائلته من نقله إلى المستشفى عبر أحد الحواجز العسكرية المقامة قرب قرية دير عمار غرب رام الله، في حادثة تعكس الآثار الإنسانية الخطيرة لمنظومة الإغلاق والحواجز العسكرية التي تعيق وصول المرضى والجرحى إلى الخدمات الطبية، بما يشكل انتهاكا لحق المدنيين في الحصول على الرعاية الصحية العاجلة.

وفي محافظة رام الله والبيرة أيضا، استشهدت المواطنة سجود وائل فقهاء (30 عامًا) عند بوابة بلدة سنجل، بعدما منعت قوات الاحتلال مرور سيارة الإسعاف التي كانت تنقلها إلى المستشفى، رغم حالتها الصحية الحرجة. وكانت الشهيدة أما لطفلين، أحدهما لم يتجاوز الثانية من عمره، الأمر الذي يبرز التداعيات الإنسانية والاجتماعية العميقة لمثل هذه الانتهاكات على الأسر الفلسطينية.

وفي القدس، استشهد ثلاثة مواطنين برصاص قوات الاحتلال خلال الشهر ذاته، وهم الطفل وليد أبو سنينة، ونصر كعابنة، وخليل الرشق، في استمرار لاستخدام القوة المميتة في التعامل مع الفلسطينيين داخل المدينة المحتلة.

أما في محافظة نابلس، فقد شهدت بلدة تل واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الشهر، عندما هاجم مستوطنون البلدة، ما أدى إلى استشهاد أربعة مواطنين من عائلة رمضان أثناء تصديهم للهجوم، وهم: عمران رمضان، وإبراهيم رمضان، وجواد رمضان، والشيخ فاروق رمضان، وتعد هذه الجريمة مؤشرا على تصاعد عنف المستوطنين واتساع نطاق استخدام الأسلحة النارية خلال الاعتداءات، في ظل حماية أو مرافقة قوات الاحتلال في العديد من هذه الهجمات، وهو ما يعزز المخاوف من تنامي ظاهرة الإفلات من العقاب.

ويؤكد المحامي حسن مليحات – المشرف العام لمنظمة البيدر  على أن سياسة الضغط على الفلسطينيين لم تعد تقتصر على مصادرة الأراضي أو تدمير الممتلكات، وإنما امتدت إلى استهداف الحق في الحياة، سواء من خلال إطلاق النار المباشر أو عبر منع وصول الجرحى والمرضى إلى العلاج، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية في الضفة الغربية ويعزز البيئة القسرية التي تدفع السكان، ولا سيما في التجمعات البدوية والقرى المحاذية للمستوطنات، إلى العيش تحت تهديد دائم، ويقوض مقومات صمودهم واستمرارهم على أرضهم.

ثاثا: التوسع الاستيطاني… تغيير دائم للواقع الجغرافي

رصد التقرير 21 نشاطا استيطانيا خلال شهر تموز، شملت توسيع مستوطنات قائمة، وإنشاء بؤر استيطانية جديدة، وشق طرق استيطانية، وهي إجراءات تبدو محدودة عدديا مقارنة ببقية الانتهاكات، لكنها تحمل التأثير الأكثر عمقا على المدى الطويل.

فالاستيطان لا يقتصر على إقامة وحدات سكنية جديدة، بل يشمل بناء منظومة متكاملة من الطرق والبنية التحتية والمناطق العسكرية، بما يؤدي إلى تفتيت الامتداد الجغرافي الفلسطيني، وعزل التجمعات البدوية عن محيطها، وتحويل وجودها إلى جيوب معزولة يصعب استمرار الحياة فيها.

كما تؤدي هذه المشاريع إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة (ج)، بما يحد من فرص التنمية الفلسطينية ويقوض أي إمكانية لإقامة تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي.

رابعا: استهداف الاقتصاد البدوي و إضعاف مقومات الصمود

يظهر التقرير أن الانتهاكات لم تستهدف السكان فحسب، وإنما ركزت بصورة واضحة على البنية الاقتصادية التي تقوم عليها حياة التجمعات البدوية.

فقد وثقت المنظمة حالات متكررة من مصادرة الأراضي، وتدمير المنشآت الزراعية والاقتصادية، وسرقة الأموال خلال عمليات المداهمة، وسرقة المواشي، ومنع الوصول إلى المراعي، وهي إجراءات تمس بصورة مباشرة مصادر الدخل الأساسية للسكان.

ويشير هذا النمط إلى اعتماد سياسة تقوم على إنهاك الاقتصاد المحلي وتجفيف مصادر الرزق، بما يؤدي إلى جعل البقاء في هذه المناطق أكثر صعوبة، ويدفع كثيرا من العائلات إلى التفكير في الرحيل نتيجة غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة.

خامسا: التهجير القسري

تكشف طبيعة الانتهاكات الواردة في التقرير أن التهجير القسري لا يتم عبر أوامر مباشرة بالإخلاء فقط، وإنما عبر خلق بيئة معيشية وأمنية واقتصادية طاردة، تتداخل فيها الاعتداءات المسلحة مع التوسع الاستيطاني، وهدم الممتلكات، ومصادرة الأراضي، ومنع البناء، والقيود المفروضة على الحركة.

وتؤدي هذه السياسات مجتمعة إلى استنزاف قدرة السكان على الصمود، وتحويل البقاء في التجمعات البدوية إلى تحدٍ يومي، وهو ما يتوافق مع ما تصفه العديد من المؤسسات الحقوقية الدولية بمفهوم البيئة القسرية التي تدفع السكان إلى النزوح دون الحاجة إلى إصدار قرارات تهجير رسمية.

سادسا: االسيطرة على المناطق الأكثر حساسية

يوضح التوزيع الجغرافي للانتهاكات أن محافظات نابلس، ورام الله والبيرة، والقدس، والخليل كانت الأكثر تعرضا لاعتداءات المستوطنين، وهي مناطق تتداخل فيها التجمعات الفلسطينية مع المشاريع الاستيطانية الكبرى، وتشكل ممرات استراتيجية تربط بين الكتل الاستيطانية المختلفة.

ويؤكد هذا التركز أن الاعتداءات ليست عشوائية، وإنما ترتبط بخطط السيطرة على الأراضي في الأغوار والمرتفعات الشرقية والمناطق المصنفة (ج)، بما يخدم إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية.

قراءة في الأرقام  مؤشرات على تصعيد منهجي

تعكس الأرقام الواردة في التقرير حجم التصعيد الذي شهدته الضفة الغربية خلال شهر تموز 2026؛ إذ بلغ متوسط الانتهاكات اليومية نحو 53.7 انتهاكا، فيما بلغ متوسط اعتداءات المستوطنين 15 اعتداء يوميا، ومتوسط حوادث إطلاق النار نحو 5 حوادث يوميا، في حين شهد الشهر تنفيذ نشاط استيطاني جديد كل يوم ونصف تقريبا.

ولا تعبر هذه المعدلات عن ارتفاع عددي فحسب، بل تكشف عن تحول الانتهاكات إلى سياسة مستمرة ومنظمة، تتكرر بصورة يومية، وتستهدف مختلف جوانب الحياة الفلسطينية، من الأمن الشخصي إلى الاقتصاد والوجود الجغرافي.

خلاصة

تكشف نتائج التقرير أن شهر تموز 2026 مثل مرحلة جديدة من التصعيد في الضفة الغربية، اتسمت بتكامل غير مسبوق بين العمليات العسكرية، واعتداءات المستوطنين، والتوسع الاستيطاني، والإجراءات الاقتصادية والإدارية الرامية إلى إضعاف الوجود الفلسطيني، كما أن استشهاد عدد من المواطنين الفلسطينيين خلال اعتداءات المستوطنين أو أثناء تدخل قوات الاحتلال في القرى والبلدات الفلسطينية يعكس انتقال سياسة الضغط من استهداف الممتلكات والأرض إلى استهداف حياة المدنيين بصورة مباشرة، بما يرفع مستوى الخطورة الإنسانية والقانونية لهذه الانتهاكات.

وتشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن التجمعات البدوية أصبحت في صلب مشروع إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، باعتبارها تمثل آخر خطوط الوجود الفلسطيني في مساحات واسعة من المناطق المصنفة (ج). ومن ثم، فإن استمرار الرصد والتوثيق الميداني، وتعزيز الجهود الحقوقية والإعلامية، وتفعيل آليات المساءلة الدولية، وتوفير حماية فعلية للمدنيين، تمثل جميعها خطوات أساسية لمواجهة هذا النمط المتصاعد من الانتهاكات، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال بحماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة.