25.09.2025 02:22 PM

وطن: تفيد توثيقات منظمة البيدر الحقوقية، بأن الضفة الغربية والقدس تعيش منذ سنوات في واقع خانق، حيث تتكاثف الحواجز والبوابات العسكرية الإسرائيلية على مداخل القرى والمدن، فتتحول الحركة اليومية للفلسطينيين إلى رحلة شاقة مليئة بالانتظار والقيود، ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الحواجز والبوابات مجرد إجراءات مؤقتة مرتبطة بأحداث أمنية، بل باتت معالم ثابتة ترسم ملامح الحياة الفلسطينية، وتحوّل الجغرافيا إلى جزر معزولة تقطع أوصالها الأسلاك والجدران والبوابات الحديدية.
وتكشف الأرقام الرسمية حتى منتصف عام 2025 عن حجم غير مسبوق لهذه الظاهرة، حيث تجاوز عدد الحواجز والبوابات الألف، لتصبح الضفة الغربية منطقة ممزقة الأوصال ومحاصرة على نحو متزايد، هذا الواقع لا يعكس مجرد سياسة أمنية، بل يندرج ضمن مشروع أوسع يقوم على السيطرة الجغرافية والديموغرافية، ويفتح الباب أمام توسع استيطاني ممنهج، في انتهاك صارخ لحقوق الفلسطينيين وللقانون الدولي.
خريطة الحواجز والبوابات بالأرقام
وتفيد منظمة البيدر الحقوقية بأن الأرقام الرسمية الموثقة حتى منتصف العام 2025، ترصد مشهد خانق في الضفة الغربية والقدس؛ حيث بلغ عدد الحواجز والبوابات العسكرية التي أقامها الجيش الإسرائيلي 916 حاجزًا وبوابة منتشرة على مداخل القرى والمدن، وبلغة الأرقام فقد تصدرت محافظة رام الله والبيرة القائمة بمجموع 177 حاجزًا وبوابة، تليها نابلس 148 ثم بيت لحم 123، والخليل 96، أما طولكرم وقلقيلية فقد سجلت كل منهما 76 حاجزًا وبوابة، في حين تم رصد 61 في سلفيت، وفي القدس 57، وجنين 44، وطوباس 42، وأخيرًا أريحا 16 حاجزًا وبوابة.
وأضافت البيدر،غير أن هذه الأرقام لم تبق ثابتة، إذ واصلت قوات الاحتلال سياسة فرض القيود على حركة الفلسطينيين عبر إضافة المزيد من الحواجز والبوابات الحديدية. ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، ارتفع العدد الإجمالي إلى ما يزيد على ألف حاجز وبوابة، بعدما نُصبت عشرات البوابات الجديدة عند مداخل القرى والبلدات.
وقد شهد منتصف سبتمبر ٢٠٢٥ تصعيدًا لافتًا؛ ففي صباح يوم ١٧ أيلول نصبت بوابات حديدية على مدخل مدينة روابي، وفي ١٦ أيلول أُقيمت بوابات على مداخل بلدات رنتيس واللبن الغربي في محافظة رام الله، بينما نصبت بوابات جديدة على مداخل بلدة العيزرية وبلدة مخماس شرق وشمال شرق القدس في ١٥ أيلول، وبلدة الرام في ١٤ أيلول، ضمن حملة واسعة شملت القرى المحيطة بالقدس، ضمن سياسة تستهدف التضييق على حياة الفلسطينيين اليومية وفرض قيود مشددة على تنقلهم، وهو ما يؤدي إلى صعوبة متزايدة في الوصول إلى المدارس والجامعات والمستشفيات، في انتهاك صارخ لحقهم في حرية الحركة، وتكرر المشهد نفسه جنوب الخليل، حيث أقيمت في مطلع سبتمبر بوابة حديدية على أحد الممرات الحيوية بين قرى مسافر يطا، الأمر الذي عمّق من معاناة المواطنين وقيّد حركتهم اليومية.
هذا التوسع في نصب البوابات يعني أن الفلسطينيين يواجهون حاجزًا أو بوابة كل 6.3 كيلومتر مربع من مساحة الضفة الغربية البالغة 5860 كيلومترًا مربعًا، في دلالة واضحة على حجم القيود المفروضة على حياتهم.
وأشارت البيدر بأن هذه الإجراءات لا تبدو عشوائية، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف عزل القرى الفلسطينية عن محيطها، وفصل التجمعات عن بعضها البعض، وحرمان الأهالي من التنقل بحرية والوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. ومع كل بوابة جديدة، تتعمق عزلة الفلسطينيين، وتترسخ صورة الضفة الغربية كرقعة جغرافية محاصرة يعيش أهلها بين جدران وأسوار وحديد، تحاكي كانتونات صغيرة محاصرة، يعيش سكانها في حالة عزل دائم، لا يتحركون إلا بإذن عسكري أو عبر طرق التفافية طويلة، ليصبح الحصار واقعًا يوميًا يرسم بالأرقام والبوابات الحديدية.
رغم أن الرواية الإسرائيلية الرسمية تبرر نصب الحواجز والبوابات الحديدية بذريعة الأسباب الأمنية ومنع الهجمات ضد الجيش والمستوطنين، إلا أن الواقع يكشف عن أهداف أعمق بكثير،هذه الإجراءات تجاوزت حدود الأمن لتتحول إلى سياسة ممنهجة تقوم على العزل الجغرافي، بحيث تتقطع أوصال الضفة الغربية إلى جزر متناثرة، فيما تُخضع حركة الفلسطينيين لمراقبة وسيطرة مشددة.
البوابات واقع الضم والخنق
في الواقع، ترتبط هذه السياسة بمشروع سياسي تقوده شخصيات بارزة في الحكومة الإسرائيلية مثل بتسلئيل سموتريتش، يقوم على توسيع الاستيطان وضم مناطق C، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية. ولتحقيق ذلك، يجري إحاطة القرى الفلسطينية بحواجز وبوابات تجعل الوصول إليها أو الخروج منها مرهونًا بقرارات الجيش، في خطوة تستهدف تحويلها إلى كانتونات معزولة فاقدة للتواصل الجغرافي والاقتصادي،هذه المعادلة تصب في استراتيجية أوسع تسعى إلى إضعاف البنية السكانية والجغرافية الفلسطينية تمهيدًا لتكريس الضم الفعلي.
ويرى المحامي حسن مليحات المشرف العام على المنظمة بأن الاستهداف لا يقتصر على المدن والقرى فقط؛ فالمجتمعات البدوية في مناطق الأغوار ومحيط القدس والخليل تعد على نحو خاص عائقًا أمام التوسع الاستيطاني. لذلك، يجري التضييق عليها عبر حرمانها من المراعي ومصادر المياه، وتقليص حركتها بين القرى، وفرض ظروف معيشية خانقة تدفع نحو الترحيل الصامت، هذه السياسات تندرج ضمن مساعٍ أو لإفراغ مناطق C من سكانها الأصليين، كما يتضح في إخلاء(67) تجمعا بدويا في الضفة الغربية منذ 7 اوكتوبر 2023 .
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الحواجز والبوابات كإجراءات ظرفية مرتبطة بأحداث أمنية فقط، بل باعتبارها أداة تنفيذية لمشروع الضم والتهجير، فهي ليست مجرد استجابة ظرفية تدّعي إسرائيل أنها تهدف إلى حفظ الأمن، بل تكشف القراءة الأعمق عن كونها جزءًا من بنية استراتيجية متكاملة،هذه السياسة تعمل على ثلاثة محاور متوازية:
المحور الأول أمني، يهدف إلى منع انفجار الأوضاع في الضفة الغربية بالتوازي مع استمرار الحرب على غزة، عبر تشديد الرقابة على حركة الفلسطينيين وإخضاع تنقلهم لسيطرة كاملة من قبل الجيش، أما المحور الثاني فهو سياسي، يسعى إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل القرى والمدن إلى جزر معزولة، بما يمنع أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متماسك، وفي المحور الثالث يبرز البعد الاستيطاني، حيث تُستخدم هذه الحواجز كوسيلة لتهيئة الأرضية لضم مناطق C، عبر حماية المستوطنات وتوسيعها وفرض وقائع ديموغرافية وقانونية جديدة على الأرض،بعبارة أخرى، الحواجز لم تعد مجرد بوابات حديدية تعرقل الحركة اليومية، بل أضحت أداة تنفيذية لخطة الضم والتهجير، ووسيلة مزدوجة تجمع بين القمع الأمني المباشر وخدمة المشروع الاستيطاني طويل الأمد.
البوابات والقانون الدولي
ليست البوابات والحواجز العسكرية مجرد أدوات عسكرية؛ فهي تمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان الأساسية، إذ تهدف إلى تقييد الحريات اليومية للسكان الفلسطينيين،أول هذه الحقوق هو الحق في حرية الحركة والتنقل، المكفول بموجب المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. الحواجز تحول التنقل بين المدن والقرى إلى عملية مشروطة بإذن الاحتلال، مما يجعل الحركة اليومية مقيّدة وخاضعة للرقابة المستمرة.
أما الحق في الصحة، فيتعرض للخطر بشكل مباشر، إذ تعيق هذه البوابات وصول المرضى وفرق الإسعاف إلى المستشفيات في الوقت المناسب، ما يشكل خرقًا للمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالمثل، الحق في العمل والتعليم يتأثر، إذ تمنع القيود المئات من الوصول إلى أماكن عملهم أو مدارسهم وجامعاتهم، مما يقوض أسس حياة اقتصادية واجتماعية مستقرة.
إضافة إلى ذلك، تشكل هذه السياسة عقابًا جماعيًا على الفلسطينيين، بما يتعارض مع المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر أي عقوبات جماعية على المدنيين. وفي سياق أوسع، تعتبر الحواجز والبوابات جزءًا من إجراءات الاحتلال التي تهدف إلى إحكام السيطرة على السكان المحميين، وهو ما يعد خرقًا واضحًا للمادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تضمن احترام حقوق المدنيين الأساسية،بمعنى آخر، البوابات ليست مجرد قيود مؤقتة على الحركة، بل أداة يومية لتقييد الحقوق الأساسية وفرض واقع انتهاكي على الأرض، يحاصر حياة الفلسطينيين في كافة جوانبها.
ختاما تشير المعطيات المتوفرة لدى منظمة البيدر الحقوقية، إلى أن الحواجز والبوابات الحديدية لم تعد مجرد عوائق متناثرة على مداخل القرى والمدن، بل غدت مكونًا مركزيًا في سياسة الاحتلال الإسرائيلي، تجمع بين السيطرة الأمنية المباشرة، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتهيئة الأرضية لتوسيع المشروع الاستيطاني، فهي من جهة أداة رقابة وقمع تقيد حرية الحركة وتفرض عزلة متزايدة على التجمعات الفلسطينية، ومن جهة أخرى وسيلة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية بما يخدم مخططات الضم والتهجير وقتل حلم الدولة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه، تمثل هذه السياسات خرقًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، إذ تحول الحياة اليومية للفلسطينيين إلى دائرة من العقاب الجماعي وانتهاك الحقوق الأساسية في الصحة والتعليم والعمل والتنقل.
وتؤكد المنظمة على أن ما يتجسد على الأرض اليوم هو مشهد لواقع محاصر تختزل فيه الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، يعيش سكانها بين الجدران والبوابات العسكرية، في محاولة لتفريغ الأرض من مقومات الحياة الطبيعية، وفرض واقع استيطاني جديد يكرس الضم الفعلي ويمهد لتغيير ديموغرافي وجغرافي عميق، بهذا المعنى، فإن الحواجز ليست مجرد هياكل حديدية، بل معالم واضحة على مشروع استعماري يمارسه الاحتلال الاسرائيلي على مرأى المجتمع الدولي، وهو ما يستدعي موقفًا أكثر صرامة لحماية الحقوق الفلسطينية الأساسية ووقف مسار التهجير وحل الدولتين.