07.09.2025 10:01 AM

كتب: د. راسم بشارات
* مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة
تتصدر منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو واجهة الاستهداف المباشر من قبل المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية. فمع نشاطها المتواصل في توثيق الانتهاكات القانونية والإنسانية التي يتعرض لها البدو، باتت المنظمة تُنظر إليها كعقبة حقيقية أمام مشروع التوسع الاستيطاني. بالنسبة للمستوطنين، أي وجود لجهة توثّق وتكشف جرائمهم يعني تهديداً لسرديتهم التي تحاول تصوير البدو كمقيمين بلا حق أو كعائق أمام ما يسمونه “تطوير الأرض”.
في هذا السياق، تحوّل المشرف العام للمنظمة، المحامي حسن مليحات، إلى هدف شخصي لحملات تحريض شرسة. فخلال الأسابيع الماضية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي التابعة لمجموعات استيطانية بعبارات تحريضية ضده وصلت إلى حد الدعوة العلنية للنيل منه، في محاولة لتجريده من أي غطاء مجتمعي أو حقوقي. بعض وسائل الإعلام العبرية والمحلية المتماهية مع خطاب المستوطنين ساهمت بدورها في تكريس صورة مليحات والمنظمة باعتبارهما “أداة بيد السلطة الفلسطينية للسيطرة على الأرض”، في محاولة لشرعنة الاعتداءات بحقهم.
وفي مقابل ذلك، تواصل البيدر عملها في الميدان، موثّقةً موجات متصاعدة من العنف والتهجير القسري التي تطال التجمعات البدوية، خصوصاً في الأغوار والمنطقة (ج). هذا الإصرار على كشف الحقائق يجعلها في مرمى النيران السياسية والإعلامية، ويضاعف من الضغوط على كوادرها وناشطيها، الذين يعملون في بيئة مشحونة بالتهديدات ومحاولات الترهيب
الهوية والقيادة
تُعرّف منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة نفسها كإطار حقوقي فلسطيني متخصص في متابعة قضايا التجمعات البدوية المنتشرة في الضفة الغربية، لا سيما تلك المهددة بالتهجير في المناطق المصنفة (ج) والأغوار. يقود المنظمة المحامي حسن مليحات، الذي بات الوجه الأبرز لها، ليس فقط من خلال إشرافه العام على عملها، وإنما أيضاً عبر تمثيلها في وسائل الإعلام المحلية والدولية. يظهر مليحات بشكل متكرر في اللقاءات الصحفية والتقارير الميدانية، مقدماً صورة المنظمة كصوت قانوني وحقوقي يسعى إلى فضح ممارسات الاستيطان، والدفاع عن حق البدو في البقاء على أرضهم. هذا الحضور العلني جعل من شخصه ومن المنظمة عموماً هدفاً مباشراً للتحريض والهجوم من قبل المستوطنين الذين يرون فيه خصماً أساسياً لمشاريعهم التوسعية.
الأهداف العملية للمنظمة
تتمحور أهداف البيدر حول العمل الميداني والقانوني لحماية التجمعات البدوية. ففرقها المتنقلة تسعى أولاً إلى توثيق الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها البدو، بدءاً من هدم المنازل والخيام، مروراً بمصادرة قطعان الماشية، وصولاً إلى الاعتداءات الجسدية المباشرة التي يتعرض لها الأفراد على أيدي المستوطنين.
إلى جانب التوثيق، تنخرط المنظمة في الترافع القانوني عبر رفع دعاوى أمام المحاكم الإسرائيلية، كما ترسل ملفات وتقارير مفصلة إلى المؤسسات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة، في محاولة لإبقاء قضية البدو على جدول الاهتمام العالمي. وتذهب البيدر أبعد من ذلك، عبر تنفيذ مبادرات دعم ميداني تشمل تزويد العائلات بالخيام ومواد البناء الأساسية، إضافة إلى برامج توعية للأطفال والنساء لتمكينهم من الصمود في وجه محاولات الاقتلاع.
آليات العمل والتأثير
لا يقتصر دور البيدر على التدخل الميداني العاجل، بل يتعداه إلى إنتاج تقارير دورية — شهرية أو ربع سنوية — تتضمن إحصاءات دقيقة وروايات موثقة بالصور والشهادات. هذه التقارير أصبحت مصدرًا تعتمد عليه وسائل الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان، وتُستخدم أحياناً كأدلة داعمة في حملات الضغط السياسي والدبلوماسي ضد السياسات الإسرائيلية.
من خلال هذه الآليات، تحوّلت البيدر من مجرد منظمة محلية إلى فاعل حقوقي مؤثر، يُربك حسابات المستوطنين ويضعهم في مواجهة مع الرأي العام الدولي، وهو ما يفسر تصاعد حملات التحريض ضدها وضد قيادتها.
بين معطيات البيدر والتوثيق الدولي
لا تكتفي منظمة البيدر بإطلاق بيانات عامة، بل تعتمد على جمع أرقام دقيقة حول أوضاع التجمعات البدوية في الضفة الغربية، من حيث تعدادها، وأعداد العائلات التي تعرضت للتهجير، وحجم الانتهاكات اليومية من هدم ومصادرة واعتداءات. هذه الأرقام كثيراً ما تتناقلها وسائل الإعلام المحلية كمرجع أساسي لفهم حجم الاستهداف الذي يواجهه البدو.
غير أن المشهد لا يكتمل إلا عند مقارنته بمعطيات أوسع تصدر عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة، مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، التي تؤكد بدورها أن موجات النزوح القسري للتجمعات البدوية ليست مجرد رواية محلية، بل حقيقة ميدانية مرتبطة بشكل مباشر بتصاعد عنف المستوطنين والإجراءات الإدارية الإسرائيلية في المنطقة (ج).
وعليه، يمكن القول إن أرقام البيدر تمثل شهادة ميدانية أولية وضرورية تعكس واقع حياة يومية تحت الضغط، لكنها تكتسب قوتها الكاملة حين تُدمج ضمن خرائط التوثيق الأوسع التي تقدمها الهيئات الأممية والحقوقية الدولية، الأمر الذي يجعلها جزءاً من صورة شاملة تكشف حجم الانتهاكات المنظمة ضد التجمعات البدوية.
لماذا يستهدف المستوطنون البيدر؟
التحريض المتصاعد ضد منظمة البيدر لا يأتي من فراغ، بل يرتبط مباشرة بطبيعة الدور الذي تؤديه في الميدان. فالمستوطنون يرون في أي جهد حقوقي أو توثيقي لوجود التجمعات البدوية تهديداً مباشراً لمشروعهم التوسعي. وجود البدو في مناطق مثل الأغوار والمنطقة (ج) لا يمثل فقط قضية إنسانية، بل يعني بالنسبة للحركة الاستيطانية عقبة أمام السيطرة الكاملة على الأرض وربط المستوطنات بعضها ببعض. من هنا، يصبح استهداف منظمة مثل البيدر مسألة استراتيجية بالنسبة لقيادات المستوطنين، الذين يسعون لإسكات أي صوت يوثق الجرائم أو يحشد الرأي العام ضدهم.
البعد السياسي والقانوني
المستوطنون يدركون أن عمل البيدر لا يقتصر على جمع شهادات محلية، بل يتعداه إلى بناء ملفات قانونية تُرفع إلى محاكم دولية ومنظمات حقوقية، وهو ما قد يشكل مادة اتهام أمام المجتمع الدولي ضد ممارساتهم. لذلك يُنظر إلى البيدر على أنها ليست مجرد منظمة مدنية، بل “أداة سياسية” قادرة على تقويض السردية الإسرائيلية الرسمية، خصوصاً في ما يتعلق بملكية الأرض وشرعية الاستيطان. ولهذا تحوّل قادتها، وفي مقدمتهم حسن مليحات، إلى أهداف شخصية لحملات تشويه وتهديد، في محاولة لعزلهم عن المجتمع وتقويض ثقة الناس بهم.
الاستهداف كجزء من معركة السيطرة على الأرض
حملات التحريض ضد البيدر تأتي في سياق أوسع من معركة السيطرة على الأرض. فالمستوطنون، بدعم من سياسات رسمية إسرائيلية، يسعون إلى تفريغ المنطقة (ج) من سكانها الأصليين عبر أساليب مزدوجة: العنف المباشر من جهة، والإجراءات الإدارية من جهة أخرى، مثل إعلان مناطق الرعي “مغلقة” أو إصدار أوامر هدم. وفي مواجهة هذه السياسات، تصبح البيدر عائقاً حقيقياً لأنها توثق كل انتهاك وتحوّله إلى ملف حقوقي وإعلامي يفضح أهداف المشروع الاستيطاني.
البيدر بين الترهيب والصمود
رغم هذا الضغط الهائل، تواصل البيدر عملها في الميدان. فرقها تجمع الشهادات والصور، محاموها يتابعون القضايا في المحاكم، وبياناتها تصل إلى وسائل الإعلام والمنظمات الدولية. لكن الاستمرار في هذا النهج يعني دفع ثمنٍ باهظ، يتمثل في مضاعفة الاستهداف والتحريض. ومع ذلك، فإن بقاء المنظمة نشطة يشير إلى إصرارها على لعب دور “الحارس الحقوقي” للتجمعات البدوية، حتى وإن كان ذلك على حساب الدخول في مواجهة مفتوحة مع المستوطنين المتطرفين.
أدوات القمع والضغط الميداني
تتعرض التجمعات البدوية في الضفة الغربية لضغوط متعددة ومتنوعة، تتراوح بين العنف المسلح والتخريب الممنهج لمصادر العيش. فقد وثقت تقارير متعددة حالات تسميم قطعان الماشية، إحراق ممتلكات الأهالي، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم للرعي. هذه الاعتداءات، التي غالباً ما تصاحبها تغطية أو تواطؤ أمني جزئي، تجعل البقاء في التجمعات أمراً صعباً، وتزيد من هشاشة المجتمعات البدوية أمام محاولات التهجير القسري.
إلى جانب العنف المادي، تلجأ السلطات الإسرائيلية أحياناً إلى الإجراءات الإدارية لفرض السيطرة على الأرض، مثل إعلان مناطق كـ«منطقة عسكرية» مؤقتة أو إصدار أوامر هدم ومنع البناء، ما يحد بشكل مباشر من قدرة الأهالي على الاستمرار في أراضيهم.
ولا يقتصر الضغط على الميدان فقط؛ فـالتحريض الرقمي والشخصنة أصبحت أدوات أساسية لمحاولة تثبيط جهود المنظمات الحقوقية. حملات على وسائل التواصل ومواقع استيطانية تستهدف قادة منظمات مثل البيدر، بما في ذلك المشرف العام حسن مليحات، بهدف تخويفهم وتشويه سمعتهم وخلق حالة من العزلة.
السيناريو المحتمل إذا استمر الوضع على ما هو عليه
إذا استمرت هذه السياسات دون تدخل فاعل، فإن التجمعات البدوية معرضة لموجات تهجير جديدة، خصوصاً في الأغوار والمناطق القريبة من المستوطنات الاستراتيجية، مع فقدان تدريجي لمصادر العيش الأساسية مثل المراعي ومياه الشرب.
وعلى المستوى الأكبر، يؤدي استمرار التوسع الاستيطاني إلى تثبيت وقائع على الأرض تعقد مسارات حل الدولتين، مع ضغط متزايد على المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف حاسمة. وفي المقابل، أي تراخي دولي أو غياب رقابة صارمة قد يكرس هذه الوقائع ويزيد من تعقيد أي تسوية مستقبلية، خصوصاً مع خطط إسرائيلية محتملة لإضفاء طابع سيادي على أجزاء من الضفة الغربية.
توصيات للمجتمع المدني والإعلام والمجتمع الدولي
في مواجهة هذا الواقع، هناك خطوات عاجلة يمكن اتخاذها لتعزيز حماية التجمعات البدوية ودعم المنظمات الحقوقية:
1. تكثيف التوثيق المستقل: دمج بيانات منظمة البيدر مع قواعد بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لتكوين ملف موثوق وموحد يمكن استخدامه في الضغوط القانونية والدبلوماسية.
2. حماية الناشطين الميدانيين: فضح حملات التحريض وملاحقة المسؤولين عنها قانونياً، وطلب تدابير حماية دولية لمن هم عرضة للتهديد، بما يضمن استمرار العمل الحقوقي دون خوف من الانتقام الشخصي.
3. فرض آليات مساءلة على المستوطنين: ممارسة ضغط دبلوماسي على الدول والحكومات التي تدعم مشاريع أو بنى تحتية في الضفة، بحيث تُشترط الشفافية وعدم الإضرار بالسكان المحليين، مع متابعة دقيقة لأي انتهاكات ترتكب بحق التجمعات البدوية.
خاتمة: بين التهديد والصمود
تعمل منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو في قلب منطقة سياسية متفجرة، حيث يشكّل وجودها القانوني والحقوقي تهديدًا مباشرًا للمستفيدين من مشروع الاستيطان الإسرائيلي. إن ما تقوم به من توثيق للانتهاكات، وملاحقة القضايا القانونية، ونشر البيانات الميدانية يجعلها هدفًا مستمرًا للتحريض، سواء عبر وسائل إعلام محلية متماهية مع خطاب المستوطنين، أو عبر الحملات الرقمية التي تستهدف قياداتها وتهدد مصداقيتها.
المحامي حسن مليحات، المشرف العام للمنظمة، بات رمزًا لهذا الاستهداف؛ فهو لا يواجه المخاطر وحده، بل تتقاطع جهوده مع عمل الهيئة الإدارية بأكملها، التي تضم محامين وباحثين وناشطين ميدانيين وإعلاميين ومفوض علاقات خارجية، وهو ما يجعل المنظمة كلها تحت مرمى حملات التخويف والتهديد. هذه الهجمات ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لتفكيك أي مقاومة حقوقية وتنظيمية أمام عمليات التوسع الاستيطاني.
في هذا السياق، يصبح الصمود الحقوقي للمنظمة وقيادتها أكثر من مجرد واجب مهني؛ إنه ضرورة لاستمرار التجمعات البدوية نفسها. حماية منظمة البيدر تتطلب دعمًا محليًا ودوليًا، تحالفات مع منظمات حقوق الإنسان، آليات قانونية لحماية القادة والكوادر، وتوثيقًا دقيقًا لكل الانتهاكات، وإلا ستتحول الأرض تدريجيًا إلى وقائع استيطانية يصعب تعديلها أو إلغاؤها مستقبلًا.
منظمة البيدر اليوم ليست مجرد منظمة مدنية، بل درع قانوني وحقوقي للتجمعات البدوية، وصوتًا يرفض أن تُطوى الرواية الفلسطينية تحت ضغط العنف، الإجراءات الإدارية، والتحريض الرقمي، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في معركة الوجود على الأرض.