
باتت التجمعات البدوية بالضفة الغربية، مرتعًا وهدفًا لاعتداءت المستوطنين المتطرفين من فتية التلال والجماعات الاستيطانية، التي تهدف لترحيلها والاستيلاء على الأرض بعد طرد أصحابها منها تحت قوة السلاح وسطوة الاستيطان.
في تجمع “شكارة” البدوي قرب دوما جنوب نابلس، شمال الضفة الغربية، لا تهدأ الأصوات ولا تغفو العيون. هنا، كل يوم هو معركة صغيرة من أجل البقاء، كل منزل مهددل بالاعتداء، وكل نافذة مهددة بالكسر، وكل حقل يراقبه المستوطنون بعين الخطر.
أما السكان في تجمع شكارة، البالغ عددهم نحو 70 شخصًا موزعين على 13 عائلة، فيعيشون تحت وطأة الرعب المستمر، بين خوف وقلق على أطفالهم ونسائهم وهم يذهبون إلى المدارس أو لقضاء حاجياتهم اليومية أو الذهاب للعلاج، فالخروج من التجمع أضحى للضرورة القصوى، نظرًا للمخاطر المحدقة على الطريق.
إقرأ أيضاً5890 انتهاكًا ضد التجمعات البدوية خلال 2025
وأصبح هذا التجمع الصغير نموذجًا لمعاناة عشرات التجمعات البدوية في الضفة الغربية، حيث تتضافر المخاطر الميدانية، والصعوبات الاقتصادية والنفسية لتهجير السكان وفرض واقع استيطاني جديد.
اعتداءات يومية وأرضٌ مهددة..
بحرقة وألم يروي المواطن راضي عراعرة، أحد سكان التجمع، حال الأهالي في ظل ما يتعرضون له من اعتداءات من المستوطنين الذين شقوّا طريقًا بالجهة الشمالية لدوما، وأقاموا بؤرة على بعد 400 متر فقط من التجمع، ما أدى إلى تصاعد المضايقات وعمليات التخريب المستمرة.
ويقول عراعرة لـ “وكالة سند للأنباء“، “إن المستوطنين يقتحمون التجمع بأغنامهم وتركتوراتهم، ويحطمون نوافذ المنازل والخلايا الشمسية ويدمرون الممتلكات، ما يخلق حالة من الرعب المستمر للسكان.
ويتابع: “لقد انقلبت حياتنا رأسًا على عقب، لم نعد نعرف طعم النوم لا في الليل ولا في النهار، تحوّلنا لحرّاس، إذا نام أحدنا يبقى الآخر مستيقظًا ليحرس المكان، خشية من هجوم مفاجئ للمستوطنين”.
ويتابع: “هناك 3 منازل بالتجمع، تقع على بعد 150 مترًا فقط من البؤرة الاستيطانية، تتعرض يوميًا لاعتداءات بالحجارة وتحطيم النوافذ، فيما بات الخطر يهدد الأطفال أثناء الذهاب للمدارس، ما استدعى توفير مركبة لنقل الطلبة إلى مدارسهم في دوما”.
كما تتعرض النساء للخطر عند زيارة المراكز الصحية في القرى المجاورة، فيما تعطلت مصالح السكان الاقتصادية، وأصبح الكثيرون عاجزين عن تأمين قوت يومهم، تبعًا لحديث عراعرة.
ويضيف عراعرة أن الثروة الحيوانية، التي كانت مصدر رزق رئيسي للسكان، أصبحت اليوم عبئًا، حيث أجبر أصحابها على إخراج مواشيهم خوفًا من مصادرتها أو قتلها على يد المستوطنين.
وطالت الأضرار والخسائر التي لحقت بالعائلات في التجمع، تخريب المنازل، والسخانات، والأراضي الزراعية، وانقطاع الطرق، لدرجة أن المتضامنين الأجانب الذين حاولوا تقديم الحماية تعرضوا للضرب والاعتداء، ما دفع الجميع إلى الخوف من الاقتراب حتى وسائل الإعلام والمسؤولين، بحسب عراعرة.
وبصوت بحّ من المناشدة بإنقاذهم، يقول عراعرة: “نسير نحو المجهول ومتروكون لوحدنا، دون أي دعم، والمستوطنون يقتلون الجميع دون تمييز، لا مسؤول يزورنا أو يهتم بمعاناتنا، وهذه الأراضي مملوكة لعائلات التجمع، وبذلنا كل ما نستطيع لنبقى فيها”.
سياسة ممنهجة لتهجير التجمعات البدوية
مدير مكتب الشمال في مركز أبحاث الأراضي في القدس، محمود الصيفي، يؤكد أن سلطات الاحتلال تعمل على تثبيت أمر واقع تمهيدًا لضمّ الضفة الغربية، بدءًا بمناطق (ج) التي تشكل 61% من مساحتها.
ويوضح الصيفي في حديثه لـ “وكالة سند للأنباء“، أن الاعتداءات تتركز على التجمعات البدوية في السفوح الشرقية للضفة، ضمن خطط استيطانية لتفريغ مناطق استراتيجية مثل الأغوار ومسافر يطا، حيث يتهدد أكثر من 12 تجمعًا فلسطينيًا بالهدم والترحيل، إضافة إلى الخان الأحمر المهدد بمشروع (E1) الاستيطاني.
ويشير الصيفي إلى أن عام 2026 سيكون عام التنفيذ الفعلي للمشاريع الاستيطانية، بعد مصادقة الحكومة على بناء 51 ألف وحدة من أصل خطة تشمل 58 ألف وحدة، ورصدت لها 13 مليار شيكل، إضافة إلى المصادقة على إقامة 71 مستوطنة جديدة خلال 2025.
ولا يتوقف الأمر عنذ ذلك، فخلال عامي 2024 و2025 تم شق 224 كيلومترًا من الطرق الالتفافية والفرعية لربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية، في وقت لا يتجاوز عدد سكان الأغوار 75 ألف نسمة نتيجة سياسات منع البناء الفلسطيني.

ويحذّر الصيفي من تصاعد ما وصفه بـ”الثورة الاستيطانية”، بالتزامن مع تسليح المستوطنين، حيث تجاوز عدد المستوطنين المسلحين في الضفة الغربية 22 ألفًا، يعملون تحت حماية جيش الاحتلال وعلى حساب الأراضي الفلسطينية الخاصة.
ويشدد ضيفنا، أن جميع التجمعات البدوية تقع في مناطق (ج)، وقد جرى منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر وحتى نهاية 2025 ترحيل أكثر من 47 تجمعًا فلسطينيًا قسرًا، يضم أكثر من 4 آلاف فلسطيني.
التجمعات البدوية خط الدفاع الأول عن الأرض
من جهتها، تقول مسؤولة الإعلام في منظمة البيدر الحقوقية، أسيل مليحات، إن الاستهداف الإسرائيلي للتجمعات البدوية ليس عشوائيًا، بل سياسة ممنهجة للسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي بأقل كلفة سياسية وإعلامية.
وتوضح مليحات في حديثها لـ “وكالة سند للأنباء“، أن هذه التجمعات الموجودة في الأغوار ومسافر يطا وشرق القدس، تمثل خط الدفاع الأول عن الأراضي المفتوحة، واستهدافها يعكس أهميتها الاستراتيجية في إفشال مخططات السيطرة والضم.
وتشير “ضيفة سند“، إلى أن الاحتلال يستخدم التهجير الصامت من خلال عنف المستوطنين، ومنع الرعي، وتسييج الأراضي، ومصادرة المياه، وبث الخوف النفسي، مع الاعتداءات الميدانية اليومية، التي تشمل الضرب، تدمير الممتلكات، ملاحقة الرعاة، واعتقالات تعسفية، بينما يحظى المستوطنون بالحماية الكاملة.

وتتوزع الاعتداءات على مناطق استراتيجية، وفق مليحات، مثل الأغوار الشمالية والوسطى، مسافر يطا وجنوب الخليل، وشرق القدس والأغوار الشرقية، مشيرة إلى أن السياسة ليست قرارًا واحدًا بل استنزاف يومي مستمر لدفع السكان للرحيل، معتبرة أن التجمعات البدوية تشكّل الحاجز الأخير أمام مشروع الاستيطان وفرض واقع دائم على الأرض.
وكانت منظمة البيدر الحقوقية قد أعلنت عن رصد 5890 حالة انتهاك ضد الفلسطينيين في التجمعات البدوية والقرى المهمشة في الضفة الغربية خلال عام 2025.
وأشارت المنظمة إلى أن هذه الانتهاكات تنوعت بين الاعتداءات المباشرة على السكان وممتلكاتهم، والتهديد المستمر للبنية التحتية والخدمات الأساسية، في ظل سياسة ممنهجة تستهدف تضييق الحياة اليومية على المواطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية والأغوار.