في عمق الأغوار الشمالية، حيث الزمن يكاد يتوقف وتبدو الحياة وكأنها تسير بإيقاع مختلف، تقف خربة الحديدية شاهدا حيا على واحدة من أكثر صور المعاناة الفلسطينية قسوة واستمرارية،في هذا الركن المنسي من الجغرافيا الفلسطينية، يعيش نحو 110 فلسطينيين، متشبثين بأرضهم كما يتشبث الغريق بخشبة النجاة،لا مياه جارية، لا طرق معبدة، لا مدارس قريبة، ولا عيادات طبية، وحدها الإرادة الصلبة والعناد المتجذر في الأرض يواجهان آلة التهميش والتهجير القسري المستمرة منذ عقود.
وفي زيارة نفذتها منظمة البيدر الحقوقية لخربة الحديدية في الأغوار الشمالية، وخلال لقائها الحاج عبد الرحيم بشارات “أبو صقر”، أحد رموز الصمود في الخربة، يرسم هذا التقرير صورة دقيقة لمعاناة مجتمع صغير يقاتل من أجل البقاء، ويكشف عن تفاصيل الحياة اليومية التي تتحول فيها كل لحظة وكل تفصيلة إلى معركة من أجل الكرامة والحق في الحياة.
الحديدية… الحياة على حافة البقاء
في شهادته لمنظمة البيدر الحقوقية، يصف أبو صقر خربة الحديدية بأنها “نموذج حي لمعاناة الفلسطينيين في الأغوار الشمالية”، مؤكدا أن الحياة فيها “لا تقاس بالأيام، بل بالصبر والمثابرة”، فكل لحظة هنا هي صراع يومي ضد الحرمان الممنهج من أبسط مقومات الحياة،من مياه تجلب عبر صهاريج خارجية بأسعار مرتفعة مقارنة بإمكانات السكان، إلى كهرباء شحيحة بالكاد تكفي لإضاءة مصباح، يعيش الأهالي في دوامة من الأزمات المتكررة،ورغم كل ذلك، يبقى الصمود خيارهم الوحيد، يقول أبو صقر: “الصمود ليس خيارا بل واجبا… البقاء على هذه الأرض هو المعنى الحقيقي للحياة”.
تفاصيل الحياة اليومية: الصبر في مواجهة الصخر
وتبدأ الحياة في الحديدية قبل أن يطل الفجر، الرعاة ينهضون باكرا لإعداد مواشيهم للخروج إلى المراعي، في مسارات وعرة تتناثر فيها الصخور الحادة والمنحدرات الخطرة، ومع حلول الشتاء، تتحول الطرق إلى مستنقعات طينية تجعل من كل خطوة اختبارا جديدا للصبر والتحمل،غير أن الطبيعة ليست وحدها ما يهدد هذه الحياة، فاعتداءات المستوطنين تضيف طبقة أخرى من الخطر، من قطع الطرق ومهاجمة المواشي إلى الاقتراب من الخيام وترويع النساء والأطفال،”نخاف على مواشينا كما نخاف على أولادنا… لكننا مضطرون للمضي قدمًا، لأن الأرض لنا، وهي إرثنا وهويتنا، ولا يمكننا التخلي عنها مهما كانت المخاطر”، يقول أبو صقر لمنظمة البيدر بإصرار.
ولا يقتصر الصراع اليومي على الكبار، فالأطفال يقطعون نحو 33 كيلومترا يوميا للوصول إلى مدارسهم في طوباس، في رحلة تستنزف طاقتهم قبل بدء الدروس، ومع ذلك، يحقق معظمهم نتائج متميزة ويتصدرون قوائم المتفوقين،يقول أبو صقر: “رغم كل الظروف، أطفالنا من الأوائل، وهذا يثبت أن الصبر والمثابرة هما طريق البقاء”، بالنسبة له، التعليم ليس مجرد حق، بل “وسيلة للحفاظ على الهوية والأرض، واختبار يومي للصبر والتحمل، وفرصة لبناء جيل قادر على مواجهة المستقبل”.
النساء… العمود الفقري للصمود
في ظل غياب شبه تام للخدمات الأساسية والدعم الرسمي، تتحمل النساء العبء الأكبر في استمرار الحياة داخل الخربة، فهن يجلبن المياه من مسافات طويلة وسط طرق وعرة وتحت حرارة الشمس الحارقة صيفًا أو البرد القارس شتاءً، ويعتنين بالمواشي، ويضمن استمرار إنتاج الحليب واللحوم،ويقول أبو صقر عن دورهن: “النساء هنا لا يعرفن الراحة أبدًا… لكنهن السبب في استمرارنا”، ولا يقتصر دور النساء على الجانب العملي، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث يمثلن صمام الأمان المعنوي الذي يزرع الأمل ويمنح الجميع القوة على مواصلة الصمود، “الابتسامة على وجه الأم وتشجيعها لأطفالها قوة أكبر من أي شيء آخر”، يضيف أبو صقر.
بنية تحتية غائبة تعزل الخربة عن العالم
الطريق المؤدي إلى خربة الحديدية ليس مجرد مسار سيئ، بل هو كما يصفه أبو صقر “رحلة عذاب يومية”. طريق ترابي مليء بالحفر والصخور الحادة، يتحول في الشتاء إلى وحل كثيف يعطل حركة المركبات لساعات طويلة، ويجعل الوصول إلى المدارس والمستشفيات والأسواق شبه مستحيل،هذه العزلة لا تعرقل فقط الحياة اليومية، بل تضرب النشاط الاقتصادي في الصميم، إذ يصعب على السكان بيع منتجاتهم الزراعية أو شراء احتياجاتهم الأساسية بأسعار معقولة،وتتفاقم المعاناة في الجانب الصحي، فغياب العيادات المحلية وسيارات الإسعاف والمعدات الطبية يجعل أي مرض أو إصابة خطرا يهدد الحياة، يقول أبو صقر: “الطريق نفسه قد يكون سببًا في الموت قبل أن تصل إلى المستشفى”، ويضطر المرضى لقطع 33 كيلومترا عبر طريق وعر للوصول إلى مستشفى طوباس، وغالبا ما يكون الأوان قد فات بالنسبة للأطفال وكبار السن.
الحياة في الحديدية: معركة بكل تفاصيلها
في خربة الحديدية، لا توجد تفاصيل عادية، من فتح خزان الماء إلى إشعال مصباح كهربائي ضعيف، كل خطوة تحمل في طياتها تحديا جديدا،العمل في الحقول الصغيرة لا يعني فقط الزراعة، بل مراقبة التربة، مقاومة الجفاف، حماية المزروعات من الأعشاب الضارة والحشرات، وأحيانا من هجمات الحيوانات البرية.،أما تحضير الطعام فيستلزم تخطيطا دقيقا لتقليل الهدر في الموارد المحدودة،ويقول أبو صقر للمنظمة: “حتى أصغر التفاصيل في حياتنا اليومية تحمل معها تحديا لا يراه العالم… وكل خطوة نقوم بها هي من أجل البقاء”.
توصيات قانونية
تقول منظمة البيدر الحقوقية، أنه أمام ما يكشفه هذا التقرير من انتهاكات ممنهجة لحقوق سكان خربة الحديدية، فان الوضع القائم بكل تفاصيله يدعو إلى تحرك قانوني وحقوقي عاجل، وبناء عليه توصي المنظمة بما يلي:
اللجوء إلى الآليات الدولية لحماية المدنيين: تقديم شكاوى موثقة لمجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة بشأن سياسات التهجير القسري والتضييق الممنهج.
تفعيل أدوات القانون الدولي الإنساني: باعتبار الأغوار الشمالية أرضًا محتلة تخضع لاتفاقيات جنيف الرابعة، ما يلزم القوة القائمة بالاحتلال بتوفير الخدمات الأساسية وحماية السكان.
الضغط الدبلوماسي لتأمين البنية التحتية: عبر حشد المواقف الدولية للمطالبة بشق طرق آمنة وتوفير المياه والكهرباء والخدمات التعليمية والصحية.
تقديم الدعم القانوني للسكان: لتمكينهم من الدفاع عن أراضيهم أمام المحاكم الدولية والمحلية، وتوثيق اعتداءات المستوطنين.
تعزيز دور المنظمات الحقوقية: برصد الانتهاكات وتوثيقها ميدانيًا بشكل دوري ورفع تقاريرها إلى مؤسسات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية .
وتؤكد منظمة البيدر الحقوقية، إلى أن خربة الحديدية ليست مجرد تجمع صغير من البيوت في الأغوار الشمالية، بل هي مرآة تعكس جوهر الصراع الفلسطيني وتمثل معركة وجود وهوية وكرامة،في هذه البقعة النائية، يواجه 110 مواطن فلسطيني كل أشكال القهر والتهميش يوما بعد يوم، متمسكين بأرضهم التي ورثوها أبا عن جد، النساء يصنعن الحياة من العدم، الأطفال يسيرون الكيلومترات طلبا للعلم، والرجال يواجهون الطبيعة والمستوطنين لحماية ما تبقى لهم من حياة، “صمودنا ليس خيارا بل واجب”، قال أبو صقر، وكأن صوته يحمل رسالة واضحة للعالم مفادها أن هذه الأرض لا تقاس بمساحتها، بل بقيمة من يعيشون عليها ويتمسكون بها، إنها شهادة حية على أن الإرادة الإنسانية القادرة على تحدي أقسى الظروف، وأن الحق لا يموت ما دام هناك من يدافع عنه.